**مسرحية الحياة الليبية: كوميديا سوداء في مشهد واحد**


تخيلوا معي، أعزائي القراء، أن الحياة مسرحية ونحن جميعًا ممثلون على خشبة المسرح. لكن في ليبيا، يبدو أن الستارة تُسدل قبل أن نختار أدوارنا. نحن نعيش في مسرحية عبثية، حيث المياه تعجز عن إطفاء نصف الغابة التي تحترق، فنضطر لإحراق النصف الآخر بأنفسنا. نعم، نحن نضع حدًا للنيران قبل أن تضع هي حدًا لنا.

في هذا المشهد العبثي، نجد أن أول خطوة نحو تحقيق النصر تبدأ بعد أن نتخلص من هواجس الهزيمة. ولكن في بعض الظروف، لا تستطيع أن تنتصر، بل تستطيع فقط أن تُفسد على خصمك لذة الانتصار. وهنا تكمن عبقرية الليبيين: نحن لا ننتصر، بل نمنع الآخرين من الانتصار.

أسوأ التجار في هذا المسرح هم تجار الدين؛ يسرقون من الناس أموالهم، ويفسدون عليهم عقائدهم، ويكفرون من يكذبهم، ويدّعون صلاح من يصدقهم. هؤلاء هم أبطال المسرحية الحقيقية، الذين يجعلون من الدين تجارة رابحة على حساب البسطاء.

لو كانت الأسماك في البحر كلها تسير مع التيار، لوقف سمك القرش في مكانه وانتظر التيار ليأتي له بطعامه. ولكن في ليبيا، نحن نسير ضد التيار، نواجه القروش ونحاول البقاء على قيد الحياة في بحر من الفوضى.

تظل الأشجار تدعي فيما بينها أن جذورها هي الأقوى، والطيور تسمع ولا تحكم حتى يأتي الإعصار. وعندما يأتي الإعصار، تعرف الطيور الشجرة الصادقة من الكاذبة. في ليبيا، نحن نعيش في إعصار دائم، نكتشف فيه كل يوم من هو الصادق ومن هو الكاذب.

الذين يتواجدون داخل دائرة الوعي يعيشون حياة أكثر بؤسًا من حياة الذين يتواجدون داخل دائرة الغفلة. نعم، الوعي في ليبيا هو لعنة، والغفلة هي نعمة. هذا الوطن نهرب منه في النهار فيسبقنا إلى السرير في الليل، ونهرب منه في الليل فيسبقنا إلى الباب في النهار. نحن محاصرون في مسرحية لا نهاية لها.

إذا أعجبك جبروتك وعنفوانك، اذهب إلى المقابر حتى تعرف أين سينتهي جبروتك وعنفوانك. في ليبيا، المقابر هي المكان الوحيد الذي يذكرنا بأننا جميعًا بشر، وأن جبروتنا وعنفواننا لا قيمة لهما أمام الموت.

لن يتمكن منك الفقر إذا كانت قناعتك قوية، ولن يهزمك اليأس إذا كانت عزيمتك قوية، ولن تهتز أفكارك إذا كانت عقيدتك قوية، ولن تخاف من فقدان القناعة والعزيمة والعقيدة إذا أحسنت الظن بالله. ولكن في ليبيا، حتى القناعة والعزيمة والعقيدة تُختبر يوميًا في مسرحية الحياة.

عندما تكون في السلطة، ستحاط بلفيف من المنافقين يقنعونك بأن الليل لم يأتِ لأنك لم تنم، وأن الصبح لم يُشرق لأنك لم تستيقظ. هؤلاء هم الممثلون الثانويون في مسرحية الحياة الليبية، الذين يجعلون من السلطة كوميديا سوداء.

في النهاية، نحن جميعًا ممثلون في مسرحية عبثية، نحاول البقاء على قيد الحياة في مشهد لا نهاية له. ولكن ربما، فقط ربما، يمكننا أن نغير النص ونكتب نهاية أفضل لهذا الوطن.

اضف تعليق

أحدث أقدم