**ليبيا المُقسَّمة: من يُغذي الصراع ويستفيد من تهريب النفط؟**  
تحقيق استقصائي: خيوط الفوضى بين الميليشيات، الحكومات المُتوازية، وشبكات التهريب الإقليمية  

---

### **الانقسام الليبي: مائدة مستديرة للمصالح المتشابكة**  
منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، تحوّلت ليبيا إلى ساحة لصراعات محلية وإقليمية ودولية، حيث بات الانقسام بين شرق البلاد (تحت سيطرة حكومة المُعارض فائز السراج سابقاً، وحكومة الوحدة الوطنية حالياً) وغربها (بدعم من برلمان طبرق والقائد العسكري خليفة حفتر) **أداةً لتمديد أمد الأزمة** بدلاً من حلها.  
**السؤال الجوهري**: من المستفيد؟  
- **دول إقليمية**: الإمارات ومصر تدعمان شرق ليبيا كحاجز ضد الإسلام السياسي، فيما تركيا وقطر تدعمان غربها لضمان نفوذ جيوسياسي.  
- **قوى دولية**: روسيا (عبر مرتزقة فاغنر) تسعى لتحصيل موطئ قدم في حوض المتوسط، بينما تُدير فرنسا وإيطاليا حسابات متنافسة حول النفط والهجرة.  
- **الفصائل المسلحة**: تُحوِّل الانقسام إلى **مصدر دخل** عبر تحصيل ضرائب غير قانونية، ورسوم عبور، وصفقات أسلحة.  

---

### **تهريب النفط: الاقتصاد الموازي الذي يُغذي الميليشيات**  
تشير تقارير **الشركة الوطنية الليبية للنفط (NOC)** إلى أن خسائر ليبيا من تهريب النفط تصل إلى **4 مليارات دولار سنوياً**، في حين تُقدِّر منظمات دولية الخسائر بأكثر من ذلك، خاصة مع تحوّل الموانئ غير الرسمية (مثل الزويتينة وراس لانوف) إلى نقاط تصدير سوداء.  

#### **كيفية التهريب**:  
1. **الشحنات الوهمية**: تُسجَّل كميات أقل من المُنتَج الفعلي في الموانئ الرسمية، بينما تُباع الفروق في السوق السوداء.  
2. **التهريب عبر البر**: نقل النفط بالشاحنات إلى دول الجوار (تشاد والنيجر) عبر طرق صحراوية بعيدة عن الرقابة.  
3. **التواطؤ الرسمي**: تقارير أممية تتهم مسؤولين في حكومتَي الشرق والغرب بتسهيل عمليات التهريب مقابل عمولات.  

#### **الشبكات الإقليمية الفاعلة**:  
- شركات إماراتية وتركية تُدير عمليات إعادة تكرير النفط المُهرَّب في موانئ مثل درنة ومصراتة.  
- شبكات مالطية وقبرصية تُنظِّم عمليات الشحن عبر سفن تُغيِّر مساراتها باستمرار لتفادي الرصد.  

---

### **حكومتا الشرق والغرب: بين التواطؤ والعجز**  
رغم إدانة الطرفين العلنية للتهريب، فإن الواقع يشي بعلاقة غامضة:  
- **حكومة الشرق**: تُسيطر على 60% من الاحتياطي النفطي، وتتعامل مع شركات أجنبية دون الرجوع للشركة الوطنية للنفط، مما يُضعف الشفافية.  
- **حكومة طرابلس**: تُتهم ميليشيات تابعة لها (مثل كتيبة نوىي) بفرض إتاوات على شحنات الوقود المُهرَّبة إلى تونس ومالطا.  

---

### **الدور المزدوج للشركة الوطنية للنفط والنائب العام**  
أعلنت **الشركة الوطنية للنفط** مراراً عن محاولاتها تعقب الشحنات غير الشرعية، لكنها تعترف بأن **الانقسام السياسي** يعيق فرض رقابة موحدة. أما النائب العام، فقد أصدر مذكرات توقيف ضد مسؤولين في الشرق والغرب، لكن تنفيذها يبقى مستحيلاً في ظل انقسام السلطة القضائية.  

---

### **الخاتمة: ليبيا بين مطرقة الفصائل وسندان الجشع الدولي**  
التهريب ليس مجرد جريمة اقتصادية، بل **وقودٌ للصراع**، إذ تُموَّل الميليشيات من عائداته، بينما تُحرم الدولة من مواردها. الحل يبدأ بخطوات جذرية:  
1. إعادة توحيد المؤسسات النفطية تحت إشراف دولي.  
2. فرض عقوبات على الشركات الإقليمية المُتورطة.  
3. دفع المجتمع الدولي لتجريم داعمي الميليشيات.  

ليبيا ليست دولة فاشلة، بل **غنيمةٌ نهبها الجميع**، والسؤال الأخلاقي: كم من الوقت سيدفع الشعب الليبي ثمن صمت العالم؟  

---  
*تحقيق: [عادل عبدالنبي ] – بالاعتماد على تقارير الأمم المتحدة، منظمة الشفافية الدولية، وشهادات محللين ليبيين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم لأسباب أمنية.*

اضف تعليق

أحدث أقدم